مفتي الجمهورية في لقائه الأسبوعي مع الإعلامي حمدي رزق: - هدم الآثار جريمة في حق التراث الإنساني .. والاحتفاظ بها في متحف ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية التي لا يحرمها الإسلام

قال فضيلة الأستاذ الدكتور شوقي علام -مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم: "إن الآثار وسيلة لدراسة تاريخ الأمم السابقة التي ملأت جنبات الأرض علمًا وصناعة وعمرانًا، وقد لجئوا إلى تسجيل تاريخهم اجتماعيًّا وسياسيًّا وحربيًّا نقوشًا ورسومًا ونحتًا على الحجارة، وكانت دراسة تاريخ أولئك السابقين والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون أمرًا يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمي والحضاري النافع".

جاء ذلك خلال لقائه الأسبوعي في برنامج نظرة مع الإعلامي حمدي رزق على فضائية صدى البلد، مضيفًا فضيلته أن القرآن الكريم في كثير من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار، وكانت الدراسة الجادة لهذا التاريخ لا تكتمل إلا بالاحتفاظ بآثارهم وجمعها واستقرائها؛ إذ منها تعرف لغتهم وعاداتهم ومعارفهم في الطب والحرب والزراعة والتجارة والصناعة، وما قصة حجر رشيد ببعيد حيث كان العثور عليه وفك رموزه وطلاسمه فاتحة التعرف علميًّا على التاريخ القديم لمصر.

ولفت فضيلة المفتي النظر إلى أن دراسة التاريخ والاعتبار بالسابقين وحوادثهم إنما تكون للأخذ منها بما يوافق قواعد الإسلام والابتعاد عما ينهى عنه من مأمورات الإسلام الصريحة الواردة في القرآن الكريم في آيات كثيرة؛ منها قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: 9].

وأردف: وعند الرجوع لفعل الصحابة وتصرفهم تجاه الآثار بعدما انطلقوا للأمصار بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم نجد ما يشير لقيام الصحابة بهدم الآثار التي وجدوها ولا مجرد محاولات منهم، أما القول بأن كل الآثار والتماثيل وقتهم كانت مطمورة بالرمال فهذا بعيد للغاية وغير متوافق مع التاريخ، وهذا الفهم بلا شك أخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم.

وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية أن الشريعة الإسلامية تعاملت مع السياحة تعاملًا راقيًا لأنها من قبيل السير في الأرض وتبادل المعارف والرؤى المختلفة، وهناك أمثلة عديدة للغاية من العلماء الرحالة وعلماء الشريعة والفقه اشتهروا بكثرة الترحال والسفر، بغرض العلم كالإمام الشافعي وبغرض استكشاف الكون كابن بطوطة.

وشدد فضيلته على أن تشريع عقد الأمان الذي هو عهد شرعي وعقد قانوني يوجب لمن ثبت له حرمة نفسه وماله، ويُطلق على من أُعطِيَ هذا الأمان مصطلح «المستأمَن»، وهو في اصطلاح الفقهاء: «من يدخل إقليم غيره بأمان مسلمًا كان أم حربيًّا»، فضلًا عن أن المصطلحات المعاصرة كفكرة التأشيرة والمأسسة واتباع القوانين وغيرها هي مصطلحات موافقة للشريعة.

وأضاف فضيلة المفتي: أن تأشيرة الدخول التي تعطى لدخول البلاد هي بمنزلة "عهد أمان"، وحكم المستأمن هو ثبوت الأمان له ووجوب الحفاظ على نفسه وماله وعرضه، شأنه في ذلك كشأن أهل البلد ومواطنيها، فإذا وقع الأمان من الإمام أو من غيره للمستأمَن وجب على المسلمين جميعًا الوفاء به، فلا يجوز قتله، ولا أسره، ولا أخذ شيء من ماله، ولا التعرض له، ولا أذيته دون وجه حق من أي أحد إلا إذا ارتكب ما يخالف قوانين البلد التي أضافته، وتكون المساءلة وَفق القوانين المنظمة لذلك.

 وأكد مفتي الجمهورية أن هدم الآثار جريمة في حق التراث الإنساني، خلافًا للاحتفاظ بها؛ سواء أكانت تماثيل أم رسومًا أم نقوشًا في متحف للدراسات التاريخية، فهو ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية لا يحرمها الإسلام؛ لأنها لا تنافيه، بل إنها تخدم غرضًا علميًّا وعقائديًّا إيمانيًّا حث عليه القرآن.

وكشف فضيلته عن أن النصوص الشرعية قد وردت بجواز اتخاذ التماثيل إذا خلت عن علة العبادة أو التقديس، وكان في اتخاذها منفعة ولو يسيرة، كالتسلية عن الأطفال باتخاذها لعبًا وعرائس لهم، لإدخال السرور عليهم، وتدريبهم على تربية أولادهم فيما بعد، والحكم بالحرمة إنما هو خاص ويكون إذا عزم صانعه على أن يضاهي بما يصنعه خلق الله تعالى، أو إذا اتُّخذت للعبادة ونحوها مما لا شك في حرمته.

وأوضح مفتي الجمهورية أن الوعيد على تحريم التصوير خاص بمن كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا. والتحقيق أن الأصل في الوعيد على التصوير قسمان؛ أحدهما: لا يتحقق إلا بالقصد، وهو مضاهاة خلق الله. وثانيهما: لا يُشترط فيه قصد علة الحصر، وهو كما يؤخذ من حديث كنيسة الحبشة، ومما صرح به المحققون من المتقدمين والمتأخرين في شرحه وشرح غيره، وهو سد ذريعة عبادة صور الأنبياء والصالحين وغيرهم…

وتابع فضيلته قائلًا: ويجوز أن تُصنع التماثيل، وأن تُستخدم، وَفق الضوابط الصادرة من الدولة خاصة أنها قد انتفى عنها مضاهاة خلق الله؛ لأنه من المقرر أن الأحكام تدور مع العلل وجودًا وعدمًا بشرط ألا يقصد بها العبادة والتقديس، ولا تصنع لغرض محرم، ولا سيما إن قصد بها غرض صحيح: من تَعلُّمٍ، أو تأريخٍ، أو زينةٍ، أو غيرها من الأغراض المباحة في الشريعة، سواء أكانت كاملة أم غير كاملة، على الحجم الطبيعي للإنسان أو لا، قصد بها اللعب والتربية للأطفال وغيرهم أم لا، وعليه فلا تحرم إقامة المتاحف ووضع هذه التماثيل فيها للأغراض السابقة أو غيرها.

26-11-2021

اقرأ أيضا

مفتي الجمهورية في لقائه الأسبوعي مع الإعلامي حمدي رزق: - هدم الآثار جريمة في حق التراث الإنساني .. والاحتفاظ بها في متحف ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية التي لا يحرمها الإسلام

قال فضيلة الأستاذ الدكتور شوقي علام -مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم: "إن الآثار وسيلة لدراسة تاريخ الأمم السابقة التي ملأت جنبات الأرض علمًا وصناعة وعمرانًا، وقد لجئوا إلى تسجيل تاريخهم اجتماعيًّا وسياسيًّا وحربيًّا نقوشًا ورسومًا ونحتًا على الحجارة، وكانت دراسة تاريخ أولئك السابقين والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون أمرًا يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمي والحضاري النافع".

جاء ذلك خلال لقائه الأسبوعي في برنامج نظرة مع الإعلامي حمدي رزق على فضائية صدى البلد، مضيفًا فضيلته أن القرآن الكريم في كثير من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار، وكانت الدراسة الجادة لهذا التاريخ لا تكتمل إلا بالاحتفاظ بآثارهم وجمعها واستقرائها؛ إذ منها تعرف لغتهم وعاداتهم ومعارفهم في الطب والحرب والزراعة والتجارة والصناعة، وما قصة حجر رشيد ببعيد حيث كان العثور عليه وفك رموزه وطلاسمه فاتحة التعرف علميًّا على التاريخ القديم لمصر.

ولفت فضيلة المفتي النظر إلى أن دراسة التاريخ والاعتبار بالسابقين وحوادثهم إنما تكون للأخذ منها بما يوافق قواعد الإسلام والابتعاد عما ينهى عنه من مأمورات الإسلام الصريحة الواردة في القرآن الكريم في آيات كثيرة؛ منها قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: 9].

وأردف: وعند الرجوع لفعل الصحابة وتصرفهم تجاه الآثار بعدما انطلقوا للأمصار بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم نجد ما يشير لقيام الصحابة بهدم الآثار التي وجدوها ولا مجرد محاولات منهم، أما القول بأن كل الآثار والتماثيل وقتهم كانت مطمورة بالرمال فهذا بعيد للغاية وغير متوافق مع التاريخ، وهذا الفهم بلا شك أخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم.

وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية أن الشريعة الإسلامية تعاملت مع السياحة تعاملًا راقيًا لأنها من قبيل السير في الأرض وتبادل المعارف والرؤى المختلفة، وهناك أمثلة عديدة للغاية من العلماء الرحالة وعلماء الشريعة والفقه اشتهروا بكثرة الترحال والسفر، بغرض العلم كالإمام الشافعي وبغرض استكشاف الكون كابن بطوطة.

وشدد فضيلته على أن تشريع عقد الأمان الذي هو عهد شرعي وعقد قانوني يوجب لمن ثبت له حرمة نفسه وماله، ويُطلق على من أُعطِيَ هذا الأمان مصطلح «المستأمَن»، وهو في اصطلاح الفقهاء: «من يدخل إقليم غيره بأمان مسلمًا كان أم حربيًّا»، فضلًا عن أن المصطلحات المعاصرة كفكرة التأشيرة والمأسسة واتباع القوانين وغيرها هي مصطلحات موافقة للشريعة.

وأضاف فضيلة المفتي: أن تأشيرة الدخول التي تعطى لدخول البلاد هي بمنزلة "عهد أمان"، وحكم المستأمن هو ثبوت الأمان له ووجوب الحفاظ على نفسه وماله وعرضه، شأنه في ذلك كشأن أهل البلد ومواطنيها، فإذا وقع الأمان من الإمام أو من غيره للمستأمَن وجب على المسلمين جميعًا الوفاء به، فلا يجوز قتله، ولا أسره، ولا أخذ شيء من ماله، ولا التعرض له، ولا أذيته دون وجه حق من أي أحد إلا إذا ارتكب ما يخالف قوانين البلد التي أضافته، وتكون المساءلة وَفق القوانين المنظمة لذلك.

 وأكد مفتي الجمهورية أن هدم الآثار جريمة في حق التراث الإنساني، خلافًا للاحتفاظ بها؛ سواء أكانت تماثيل أم رسومًا أم نقوشًا في متحف للدراسات التاريخية، فهو ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية لا يحرمها الإسلام؛ لأنها لا تنافيه، بل إنها تخدم غرضًا علميًّا وعقائديًّا إيمانيًّا حث عليه القرآن.

وكشف فضيلته عن أن النصوص الشرعية قد وردت بجواز اتخاذ التماثيل إذا خلت عن علة العبادة أو التقديس، وكان في اتخاذها منفعة ولو يسيرة، كالتسلية عن الأطفال باتخاذها لعبًا وعرائس لهم، لإدخال السرور عليهم، وتدريبهم على تربية أولادهم فيما بعد، والحكم بالحرمة إنما هو خاص ويكون إذا عزم صانعه على أن يضاهي بما يصنعه خلق الله تعالى، أو إذا اتُّخذت للعبادة ونحوها مما لا شك في حرمته.

وأوضح مفتي الجمهورية أن الوعيد على تحريم التصوير خاص بمن كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا. والتحقيق أن الأصل في الوعيد على التصوير قسمان؛ أحدهما: لا يتحقق إلا بالقصد، وهو مضاهاة خلق الله. وثانيهما: لا يُشترط فيه قصد علة الحصر، وهو كما يؤخذ من حديث كنيسة الحبشة، ومما صرح به المحققون من المتقدمين والمتأخرين في شرحه وشرح غيره، وهو سد ذريعة عبادة صور الأنبياء والصالحين وغيرهم…

وتابع فضيلته قائلًا: ويجوز أن تُصنع التماثيل، وأن تُستخدم، وَفق الضوابط الصادرة من الدولة خاصة أنها قد انتفى عنها مضاهاة خلق الله؛ لأنه من المقرر أن الأحكام تدور مع العلل وجودًا وعدمًا بشرط ألا يقصد بها العبادة والتقديس، ولا تصنع لغرض محرم، ولا سيما إن قصد بها غرض صحيح: من تَعلُّمٍ، أو تأريخٍ، أو زينةٍ، أو غيرها من الأغراض المباحة في الشريعة، سواء أكانت كاملة أم غير كاملة، على الحجم الطبيعي للإنسان أو لا، قصد بها اللعب والتربية للأطفال وغيرهم أم لا، وعليه فلا تحرم إقامة المتاحف ووضع هذه التماثيل فيها للأغراض السابقة أو غيرها.

26-11-2021

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;