تحديد المنتفع بما يتم إعطاؤه مقابل الإيجار القديم

استأجر والدي شقةً إيجار قديم، ثم توفي وبقيت والدتي في السكن، وبعد فترة تم تغيير عقد الإيجار باسم شقيقتي المقيمة مع أمي بموافقة أمي وصاحب العقار، وبيع العقار بعد ذلك، وتراضى صاحب العقار والمشتري مع السكان على إعطائهم شقة سكنية بدلًا من شقتهم حتى تُزال العمارة، على أن تكون ملكًا لهم.
فهذه الشقة التمليك مِن حق مَن على وجه التحديد؟

هذه الشقة المذكورة ملكٌ خالص للبنت وحدها دون غيرها؛ لأنها هي التي لها حقّ الانتفاع بالعين المؤجرة، وعقدُ الإيجار مكتوبٌ باسمها. 

التفاصيل ....

 تقاضي المستأجر مالًا مِن المالك المؤجر نظير التنازل عن عقد الإيجار الساري -وهو ما يسميه الناس الآن بـ خلوّ الرجل، أو بدل الخلو، أو الفروغ، أو بيع المفتاح- هو أمرٌ جائزٌ شرعًا إذا اتفق الطرفانِ على المبلغ المدفوع؛ لأنه من باب بيع المنافع، وحقيقة الإجارة تمليك المنفعة بعوض، وللمستأجر التنازلُ عن حقه في المنفعة نظيرَ المقابل المعيَّن؛ قال الإمام القرافي المالكي في كتابه "الفروق" في الفرق الثلاثين بين قاعدة تمليك الانتفاع وبين قاعدة تمليك المنفعة (1/ 187، ط. عالم الكتب): [أما مالك المنفعة فكمن استأجر دارًا أو استعارها فله أن يؤاجرها مِن غيره أو يُسكنه بغير عِوَض، ويتصرَّف في هذه المنفعة تَصَرُّفَ الملاك في أملاكهم على جري العادة على الوجه الذي ملكه؛ فهو تمليكٌ مُطلقٌ في زمن خاص حسبما تناوله عقدُ الإجارة أو أشهدت به العادة في العارية، فمن شهدت له العادة في العارية بمدة كانت له تلك المدة ملكًا على الإطلاق يتصرف كما يشاء بجميع الأنواع السائغة في التصرف في المنفعة في تلك المدة، ويكون تمليك هذه المنفعة كتمليك الرقاب] اهـ.
وقال العلامة الشيخ محمد علِّيش المالكي في "شرحه لمختصر خليل" (7/ 493، ط. دار الفكر): [(قاعدة): مَن مَلَك المنفعة فله المعاوضة عليها وأخذ عوضها، ومَن ملك الانتفاع بنفسه فقط فليس له المعاوضة عليها ولا أخذ عوضها؛ كساكن المدرسة والرباط والجالس في المسجد أو في الطريق، فليس لأحد إيجار مكانه مِن المسجد أو المدرسة أو الرباط أو الطريق؛ لأنه لم يملك منفعته، بل مَلك انتفاعه بنفسه فقط] اهـ.
وقد أفتى بذلك جمعٌ مِن علماء المالكية، حتى صنَّف جماعة من متأخريهم رسالةً عنوانها: "جملة تقارير وفتاوى في الخلوات والإنزالات عند التونسيين" لمفتي المالكية بتونس الشيخ إبراهيم الرياحي (ت:1266هـ)، والشيخ محمد بيرم الرابـع التونسي، ومفتي المالكية الشيخ الشاذلي بن صالح باس، والشيخ محمد السنوسي قاضي تونس، يقررون فيها جواز المعاوضة عن الخلوات عملًا بالعرف والعادة؛ ولأن المستأجر يملك المنفعة، فله أن يتنازل عنها بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالإعارة، وقد نقل البناني فتوى الفاسِيِّين بجواز بيع الخلو، وقال الشيخ محمد بيرم: وما أشبه الخلو بالمغارسة، غير أن الخلو لا تحصل به ملكية الرقبة لتعلقه بالمنفعة.
وألَّف أيضًا الشيخ أحمد الفيومي الغرقاوي -مِن متأخري المالكية- رسالةً أخرى بعنوان: "التنبيه بالحسنى في منفعة الخلو والسكنى، في تحقيق مسألة الخلو بالعين المؤجرة للسكنى"، وتعرَّض لهذه المسألة الشيخ عليش في فتاواه: "فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" (2/ 250، ط. دار المعرفة) ونقل مواضعَ مطولةً من رسالة الغرقاوي المذكورة.
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة رقم (6) لعام 1408هـ الموافق 1988م ما نَصُّه: [إذا تَمَّ الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغًا مقابل تخلِّيه عن حقِّه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإن بدل خلو الرجل هذا جائزٌ شرعًا؛ لأنه تعويضٌ عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك] اهـ.
والإيجار السكني في ظل القانون الإيجاري القديم يمتدُّ فيه حقُّ الانتفاع لمن كان مقيمًا في الوحدة السكنية المؤجرة مع المستأجر عند وفاته لا من كان مقيمًا خارج الوحدة ولو كان من ورثته، وذلك بشروط معينة نصَّ عليها قانونُ الإيجار الذي اعتمد مذهبَ السادة الأحناف في جواز المدة الطويلة في العقود الإيجارية، وحُكْمُ الحاكمِ يرفعُ الخلافَ؛ لأنَّ له حقَّ تقييدِ المباح.
والذي يحقُّ له أخْذُ الخلو في الإيجار هو المستأجر الذي هو صاحب حق الانتفاع بالعين المؤجرة، ولا يمتد الحق في خلُوِّ الرِّجْل من المستأجر الأصلي إلى المقيمين معه إلا إذا امتدَّ لهم الحقُّ في الانتفاع بالعين المؤجرة، وهذا الحق لا يثبت لأحدٍ إلا عند وفاة المستأجر الأصلي، ومن المعلوم أن المستأجر هو من كُتِب العقد باسمه دون غيره.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فما دامت الأمُّ قد تنازلتْ عن حق الانتفاعِ لبنتها بكتابتها عقدَ الإيجارِ باسمها، فإن الحقَّ في تملُّك الشقة المعوَّض بها عن ترْكِ المنفعة الثابتة بعقد الإيجار إنما يثبت للبنت وحدها دون غيرها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

تحديد المنتفع بما يتم إعطاؤه مقابل الإيجار القديم

استأجر والدي شقةً إيجار قديم، ثم توفي وبقيت والدتي في السكن، وبعد فترة تم تغيير عقد الإيجار باسم شقيقتي المقيمة مع أمي بموافقة أمي وصاحب العقار، وبيع العقار بعد ذلك، وتراضى صاحب العقار والمشتري مع السكان على إعطائهم شقة سكنية بدلًا من شقتهم حتى تُزال العمارة، على أن تكون ملكًا لهم.
فهذه الشقة التمليك مِن حق مَن على وجه التحديد؟

هذه الشقة المذكورة ملكٌ خالص للبنت وحدها دون غيرها؛ لأنها هي التي لها حقّ الانتفاع بالعين المؤجرة، وعقدُ الإيجار مكتوبٌ باسمها. 

التفاصيل ....

 تقاضي المستأجر مالًا مِن المالك المؤجر نظير التنازل عن عقد الإيجار الساري -وهو ما يسميه الناس الآن بـ خلوّ الرجل، أو بدل الخلو، أو الفروغ، أو بيع المفتاح- هو أمرٌ جائزٌ شرعًا إذا اتفق الطرفانِ على المبلغ المدفوع؛ لأنه من باب بيع المنافع، وحقيقة الإجارة تمليك المنفعة بعوض، وللمستأجر التنازلُ عن حقه في المنفعة نظيرَ المقابل المعيَّن؛ قال الإمام القرافي المالكي في كتابه "الفروق" في الفرق الثلاثين بين قاعدة تمليك الانتفاع وبين قاعدة تمليك المنفعة (1/ 187، ط. عالم الكتب): [أما مالك المنفعة فكمن استأجر دارًا أو استعارها فله أن يؤاجرها مِن غيره أو يُسكنه بغير عِوَض، ويتصرَّف في هذه المنفعة تَصَرُّفَ الملاك في أملاكهم على جري العادة على الوجه الذي ملكه؛ فهو تمليكٌ مُطلقٌ في زمن خاص حسبما تناوله عقدُ الإجارة أو أشهدت به العادة في العارية، فمن شهدت له العادة في العارية بمدة كانت له تلك المدة ملكًا على الإطلاق يتصرف كما يشاء بجميع الأنواع السائغة في التصرف في المنفعة في تلك المدة، ويكون تمليك هذه المنفعة كتمليك الرقاب] اهـ.
وقال العلامة الشيخ محمد علِّيش المالكي في "شرحه لمختصر خليل" (7/ 493، ط. دار الفكر): [(قاعدة): مَن مَلَك المنفعة فله المعاوضة عليها وأخذ عوضها، ومَن ملك الانتفاع بنفسه فقط فليس له المعاوضة عليها ولا أخذ عوضها؛ كساكن المدرسة والرباط والجالس في المسجد أو في الطريق، فليس لأحد إيجار مكانه مِن المسجد أو المدرسة أو الرباط أو الطريق؛ لأنه لم يملك منفعته، بل مَلك انتفاعه بنفسه فقط] اهـ.
وقد أفتى بذلك جمعٌ مِن علماء المالكية، حتى صنَّف جماعة من متأخريهم رسالةً عنوانها: "جملة تقارير وفتاوى في الخلوات والإنزالات عند التونسيين" لمفتي المالكية بتونس الشيخ إبراهيم الرياحي (ت:1266هـ)، والشيخ محمد بيرم الرابـع التونسي، ومفتي المالكية الشيخ الشاذلي بن صالح باس، والشيخ محمد السنوسي قاضي تونس، يقررون فيها جواز المعاوضة عن الخلوات عملًا بالعرف والعادة؛ ولأن المستأجر يملك المنفعة، فله أن يتنازل عنها بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالإعارة، وقد نقل البناني فتوى الفاسِيِّين بجواز بيع الخلو، وقال الشيخ محمد بيرم: وما أشبه الخلو بالمغارسة، غير أن الخلو لا تحصل به ملكية الرقبة لتعلقه بالمنفعة.
وألَّف أيضًا الشيخ أحمد الفيومي الغرقاوي -مِن متأخري المالكية- رسالةً أخرى بعنوان: "التنبيه بالحسنى في منفعة الخلو والسكنى، في تحقيق مسألة الخلو بالعين المؤجرة للسكنى"، وتعرَّض لهذه المسألة الشيخ عليش في فتاواه: "فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" (2/ 250، ط. دار المعرفة) ونقل مواضعَ مطولةً من رسالة الغرقاوي المذكورة.
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة رقم (6) لعام 1408هـ الموافق 1988م ما نَصُّه: [إذا تَمَّ الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغًا مقابل تخلِّيه عن حقِّه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإن بدل خلو الرجل هذا جائزٌ شرعًا؛ لأنه تعويضٌ عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك] اهـ.
والإيجار السكني في ظل القانون الإيجاري القديم يمتدُّ فيه حقُّ الانتفاع لمن كان مقيمًا في الوحدة السكنية المؤجرة مع المستأجر عند وفاته لا من كان مقيمًا خارج الوحدة ولو كان من ورثته، وذلك بشروط معينة نصَّ عليها قانونُ الإيجار الذي اعتمد مذهبَ السادة الأحناف في جواز المدة الطويلة في العقود الإيجارية، وحُكْمُ الحاكمِ يرفعُ الخلافَ؛ لأنَّ له حقَّ تقييدِ المباح.
والذي يحقُّ له أخْذُ الخلو في الإيجار هو المستأجر الذي هو صاحب حق الانتفاع بالعين المؤجرة، ولا يمتد الحق في خلُوِّ الرِّجْل من المستأجر الأصلي إلى المقيمين معه إلا إذا امتدَّ لهم الحقُّ في الانتفاع بالعين المؤجرة، وهذا الحق لا يثبت لأحدٍ إلا عند وفاة المستأجر الأصلي، ومن المعلوم أن المستأجر هو من كُتِب العقد باسمه دون غيره.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فما دامت الأمُّ قد تنازلتْ عن حق الانتفاعِ لبنتها بكتابتها عقدَ الإيجارِ باسمها، فإن الحقَّ في تملُّك الشقة المعوَّض بها عن ترْكِ المنفعة الثابتة بعقد الإيجار إنما يثبت للبنت وحدها دون غيرها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;