التحذير من تتبع العورات وانتهاك الحرمات ونشرها

ما هو الحكم الشرعي في إقدام بعض الأفراد على اقتحام الحياة الخاصة للغير دون علمهم، وكشف الستر عنها بطرق مختلفة؛ مثل: تصويرهم بأدوات التصوير الحديثة، أو التلصّص البصري، أو استراق السمع، أو غير ذلك من الطرق، وبأيِّ وسيلة من الوسائل التي تستعمل لهذه الأغراض، والتشهير بها على منصات الإعلام الرقمي، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو غيرها؟

يحرم شرعًا اقتحام الحياة الخاصة للغير دون علمهم، وكشف الستر عنها بأي طريقة كانت: كتصويرهم،  أو التلصّص البصري عليهم، أو استراق السمع، أو غير ذلك من الطرق، ونشرها على منصات الإعلام الرقمي، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو غير ذلك، وكلّ ذلك يُعَدُّ تتبعًا للعورات التي يجب سترها، وانتهاكًا للحُرُمات التي يجب صونها، بالإضافة إلى أنها أفعالٌ مستقبحةٌ لدى العقلاء عرفًا، ومحظورةٌ قانونًا.

وعلى الإنسان أن ينأى بنفسه عن الوقوع في هذه المُهْلِكَات؛ أمانًا له، وصونًا لمجتمعه ووطنه.

التفاصيل ....

إنَّ مواكبة التقدم العلمي والحضاري في جميع المجالات، والاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة في كل ما هو نافع ومفيد، هو من الأمور المحمودة التي ينبغي للمسلم الاستفادة منها بالشكل الذي يتفق مع ضوابط الشريعة الإسلامية، والتي نهت عن كلِّ ما يؤثر بالسلب على الفرد أو المجتمع؛ من التجسس على خصوصية الآخرين، أو تتبع عوراتهم، أو التلصّص عليهم بأي شكل من الأشكال، واستغلال شيء من ذلك بما يؤثر بالسلب على أمن المجتمعات، وتعكير السلامة النفسية لأفرادها، والنيل من قيمها الأخلاقية والتربوية.

والأفعال التي ورد السؤال بخصوصها تحصل في الغالب على مستويين:

الأول: الرصد والمتابعة؛ حيث يتمّ ذلك من خلال تعقب الإنسان وتتبعه للآخرين للوقوف على أقوالهم وأفعالهم وما يسترونه من أمورهم ويكرهون أن ينكشف أو يطلع عليه غيرهم دون إذنهم؛ سواء بالتقاط الصور الفوتوغرافية، أو تسجيل المقاطع المرئية، أو التسجيلات الصوتية، أو غير ذلك من الوسائل الحديثة التي يُساء استخدامها من قِبَل البعض.

والثاني: التشهير؛ ويكون ببث ما تمّ الحصول عليه من تلك التفاصيل، وما وقعت عليه الأنظار من عورات؛ إما بطريق المشافهة، أو عن طريق الهاتف، أو بالنشر على منصات الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي؛ ممَّا يتسبب في إحداث الفتن، وإشاعة الأكاذيب في المجتمع.

وكل ذلك من الأمور التي نهى الشرع الشريف عنها:

فأما تتبع عورات الناس وانتهاك حياتهم الخاصة والتلصّص على أحوالهم المستورة وتحسس أفعالهم: فكُلُّها سلوكيات ورد الشرع الشريف بتحريمها والتحذير من الإقدام على فعل شيء منها وإن قُصِدَ منها إنكار المنكر؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]؛ أي: لا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك؛ كما قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (10/ 257، ط. دار الكتب المصرية).

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]؛ أي: ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظهور على عيوبه؛ كما قال الإمام الطبري في "جامع البيان" (22/ 304، ط. مؤسسة الرسالة).

وقد  تَوَعَّدَ الله سبحانه من يتجسس ويتتبع عورة أخيه ليفضحه، بأن جعل عقوبته من جنس عمله؛ فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ؛ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ» أخرجه الإمام أحمد -واللفظ له- وأبو يعلى والروياني والشهاب القضاعي في "المسند"، وأبو داود والبيهقي في "السنن".

قال الإمام التنوخي في "شرحه على متن الرسالة" (2/ 449، ط. دار الكتب العلمية): [ولا يسرق سماعًا، ولا يستنشق رائحة؛ يتوصل بذلك إلى المنكر، ولا يبحث عما أخفى في يده أو ثوبه أو دكانه أو داره؛ فإنَّ السعي في ذلك حرام] اهـ.

وقال الشيخ البكري الدمياطي في "إعانة الطالبين" (4/ 209، ط. دار الفكر): [واعلم أنه ليس بواجب على أحد أن يبحث عن المنكرات المستورة حتى ينكرها إذا رآها، بل ذلك محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾] اهـ.

ولا شك أنَّ تلك السلوكيات: تؤدي -لا محالة- إلى هدم القيم المجتمعية والأخلاقية والحضارية؛ وقد أقامت الشريعة الإسلامية سياجًا مانعًا وقويًّا من الأحكام الشرعية والآداب المرعية للحيلولة دون حدوث شيءٍ من ذلك من خلال الحثّ على التحلي بجميل الصفات من القيم الأخلاقية والتعاليم التربوية الراقية، ونهت عن ارتكاب الأفعال التي تشتمل على معاني التجسس وسوء الظن والانسياق وراء الشائعات والأخبار المكذوبة التي تسبب هدم العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية، وتزيد في التباغض بين الناس؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» متفق عليه.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 481، ط. دار المعرفة): [قوله: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ وذلك أنَّ الشخص يقع له خاطرُ التهمة فيريد أن يتحقق؛ فيتجسس، ويبحث، ويستمع، فنهى عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. فدلّ سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة؛ لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن. فإن قال الظَّانُّ: أبحثُ لأتحقق؟ قيل له: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. فإن قال: تحققتُ من غير تجسس؟ قيل له: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾] اهـ.

بل قد بلغ من عناية الشريعة في حفظ خصوصية الناس ورعاية ما يجب لهم من الستر أن حَرَّمَت صورًا يترتب عليها تتبع العورات؛ منها:

أولًا: غلَّت يد الإنسان عن بعض حقوقه إذا ترتب على إطلاق يده فيها كَشْفَ ستر الآخرين والاطلاع على عوراتهم؛ فمنعت صاحب البيت -مثلًا- من أن يشق في حائطه الملاصق لجاره نافذة ولو صغيرة إذا كان في شقها اختراق لخصوصية هذا الجار.

وفي ذلك يقول العلامة ابن عابدين في "منحة الخالق" (7/ 33، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(ولو فتح صاحب البناء في علو بنائه بابًا أو كوة) قال الرملي: أقول: قال الغزي: وقد أفتى شيخ الإسلام قارئ الهداية لَمَّا سئل: هل يُمْنَع الجار أن يفتح كوة يشرف منها على جاره وعياله؟ فأجاب: بأنه يُمْنَع من ذلك اهـ. وفي "المضمرات" قال: إذا كانت الكوة للنظر، وكانت الساحة محل الجلوس للنساء؛ يُمْنَعُ. وعليه الفتوى] اهـ.

ثانيًا: النهي عن وصف المرأة غيرَها لزوجها؛ لما في ذلك من كشف للعورات، وانتهاك للأستار، وسببٍ لحصول الفتنة، علاوة على الوقوع في الغيبة المنهي عنها شرعًا إن هي وصفتها بما تكره في غيابها؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» أخرجه البخاري في "صحيحه".

قال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (20/ 219، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال القابسي: هذا الحديث من أَبْيَنِ ما يُحمَى به الذرائع؛ فإنِّها إنْ وصفتها لزوجها بحُسنٍ خِيفَ عليه الفتنةُ حتى يكون ذلك سببًا لطلاق زوجته ونكاح تيك إن كانت أَيِّمًا، وإن كانت ذاتَ بعلٍ كان ذلك سببًا لبغض زوجته ونقصان منزلتها عنده، وإن وصفتها بقبح كان ذلك غيبة] اهـ.

ثالثًا: النهي عن التعري وكشف الستر؛ فعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: أقبلْتُ بَحجَرٍ أحمِلُهُ ثقيلٍ، وعَلَيَّ إزارٌ خفيف، قال: فَانْحَلَّ إزاري ومعي الحَجَر لم أستطع أن أضعه حتى بلغتُ به إلى موضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» أخرجه مسلم في "صحيحه".

قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (3/ 433، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [«وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» عمَّ الخطاب بعدما خَصًّ؛ ليفيد أن الحكم عامٌّ لا يختص بواحدٍ دون آخر، فيحرم المشي عريانًا؛ أي: بحيث يراه مَن يَحْرُمُ نظره لعورته] اهـ.

رابعًا: البوح بأسرار الزوجية؛ لما في ذلك من كشف للعورات، وإفساد للقلوب؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» أخرجه مسلم في "صحيحه".

قال الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (10/ 8، ط. دار إحياء التراث العربي): [وفي هذا الحديث: تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه] اهـ.

خامسًا: نهي الشرع عن الدخول إلى البيوت إلا بعد الاستئذان؛ وذلك للحفاظ على عورات ساكنيها من أن يَّطلع عليها أحد، أو ينكشف سترهم؛ حيث قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27].

قال الإمام البغوي في "معالم التنزيل في تفسير القرآن" (3/ 398، ط. دار إحياء التراث العربي): [قيل: معنى قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أي: حتى تستأذنوا] اهـ.

وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (12/ 212): [قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ لمَّا خصص الله سبحانه ابن آدم الذي كَرَّمَهُ وفضَّله بالمنازل وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحَجَر على الخلق أن يطَّلعوا على ما فيها من خارج، أو يلِجُوها من غير إذن أربابها؛ أدَّبهم بما يرجع إلى الستر عليهم؛ لئلا يطَّلع أحدٌ منهم على عورة] اهـ.

وأما التشهير بما تمَّ الحصول عليه من خلال تتبع عورات الآخرين وانتهاك حياتهم الخاصة والتلصّص على أحوالهم وتحسس أفعالهم، وبَثُّهُ أو شيء منه، وجعلُ ذلك عرضة للتداول بين الناس أيًّا كانت الوسيلة إلى ذلك: فإنه يُعدُّ هتكًا لستر الآخرين، وهو فعلٌ محرمٌ شرعًا، وموجب للإثم والعقوبة إن لم يلحقه توبة؛ لحديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَغَى مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ؛ حَبَسَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» أخرجه أحمد في "المسند"، وأبو الشيخ الأصفهاني في "التوبيخ والتنبيه".

وفي رواية: «مَنْ قَفَّا مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ» أخرجها ابن أبي الدنيا في "الصمت"، والطبراني في "المعجم الكبير"، وابن بشران في "أماليه".

وفي رواية أبي داود في "السنن"، وأبي نعيم في "حلية الأولياء"؛ بلفظ: «وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ».

قال العلامة مظهر الدين الزَّيْداني في "المفاتيح في شرح المصابيح" (5/ 242، ط. دار النوادر): [قوله: «مَنْ قَفَّا مُسْلِمًا» أي: من تبع مسلمًا؛ يعني: مَن تجسَّس عن حال مسلم ليُظهر عيبه وليعيّره: حبسه الله على الصراط حتى يَنْقَى مِن ذلك الذنب بإرضاء خصمه أو بالتعذيب] اهـ.

ذلك أنَّ الإنسان مأمورٌ بسترِ حالِ غيرِهِ وغَضِّ الطرْفِ عن فِعلِه، إن هو اطَّلع على شيءٍ من خفيَّاتِهِ، لا بكَشْفِ سِتْرِهِ وهَتْكِ عِرْضِهِ وفَضْحِ أمْرِه؛ وذلك في نحو قولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه. وقولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم لهَزَّالٍ رضي الله عنه حين أمر خادمه ماعزًا رضي الله عنه بأن يخبر عن فعلته ليُقام عليه الحد: «وَيْلَكَ يَا هَزَّالُ! لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ» أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والروياني في "المسند"، والنسائي -واللفظ له- والبيهقي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

حتى إنَّ الشرع الشريف لم يكتف بالأمر بالستر على الآخرين وعدم إشاعة ما ابتُلُوا به، وإنَّما تطرق إلى أن يستر الإنسان على نفسه خطأه، وألَّا يظهر عيبه أو يفضح نفسه إن وقع في معصية أو اقترف إثمًا؛ فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللهِ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِيمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ» أخرجه الإمام مالك في" الموطأ" واللفظ له، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "السنن".

قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (5/ 337، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية): [وفيه أيضًا -أي الحديث- ما يدل على أنَّ السِتْرَ واجبٌ على المسلمِ في خاصةِ نفسهِ إذا أتى فاحشةً] اهـ.

وقال العلامة الجَمَال المَلَطي في "المعتصر من المختصر" (2/ 130، ط. عالم الكتب): [أمر الله تعالى عباده بالستر، وألَّا يكشفوا عنهم ستره الذي سترهم به ممَّا يصيبونه ممَّا قد نهاهم عنه لمَن سواهم من الناس] اهـ.

وقال الإمام ابن رشد في "المقدمات" (3/ 256، ط. دار الغرب الإسلامي): [الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره] اهـ.

وقال الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (5/ 452، ط. دار الكتب العلمية): [ولِكُلِّ مَن ارتكب معصيةً: الستر.. وأما التحدث بها تَفَكُّهًا: فحرامٌ قطعًا] اهـ.

هذا، وقد رتَّب القانون المصري العقوبة جزاء الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة للآخرين؛ سواء كان ذلك بالتصنت عليهم، أو بتسجيل محادثاتهم، أو تصويرهم، أو نقل صورهم الخاصة بغير إذنهم، أيًّا كانت الوسيلة المتبعة لذلك؛ كما في المادة (309) مكررًا من قانون العقوبات المصري الصادر برقم 58 لسنة 1937م، وفقًا لآخر تعديلاته الصادرة في 20 نوفمبر سنة 2021م؛ حيث نصت على أنه: [يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل مَن اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن؛ وذلك بأن ارتكب أحدَ الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضاء المجني عليه:

(أ) استرق السمع أو سجَّل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه محادثاتٍ جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون.

(ب) التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه صورة شخص في مكان خاص] اهـ.

كما نصَّت المادة رقم (309) مكررًا (أ) من نفس القانون، على أنه: [يعاقب بالحبس كُلُّ مَن أذاع، أو سهَّل إذاعة، أو استعمل ولو في غير علانية تسجيلًا أو مستندًا متحصلًا عليه بإحدى الطرق المبينة بالمادة السابقة، أو كان ذلك بغير رضاء صاحب الشأن، ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل مَن هدَّد بإفشاء أمرٍ من الأمور التي تمَّ التحصل عليها بإحدى الطرق المشار إليها لحمل شخص على القيام بعمل أو الامتناع عنه] اهـ.

وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنَّ إقدام بعض الأفراد على اقتحام الحياة الخاصة للغير دون علمهم، وكشف الستر عنها بطرق مختلفة؛ مثل: تصويرهم بأدوات التقنية الحديثة، أو التلصّص البصري، أو استراق السمع، أو غير ذلك من الطرق، ونشرها على منصات الإعلام الرقمي، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو غير ذلك؛ يُعَدُّ تتبعًا للعورات الواجب سترها، وانتهاكًا للحُرُمات الواجب صونها، وفضحًا للمستورات الواجب حفظها، وكلها أفعالٌ مستقبحةٌ لدى العقلاء عرفًا، ومحرمةٌ شرعًا، ومحظورةٌ قانونًا، وموجبةٌ للإثم والعقوبة الرادعة؛ وعلى الإنسان أن ينأى بنفسه عن الوقوع في هذه المُهْلِكَات؛ أمانًا له، وصونًا لمجتمعه ووطنه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

التحذير من تتبع العورات وانتهاك الحرمات ونشرها

ما هو الحكم الشرعي في إقدام بعض الأفراد على اقتحام الحياة الخاصة للغير دون علمهم، وكشف الستر عنها بطرق مختلفة؛ مثل: تصويرهم بأدوات التصوير الحديثة، أو التلصّص البصري، أو استراق السمع، أو غير ذلك من الطرق، وبأيِّ وسيلة من الوسائل التي تستعمل لهذه الأغراض، والتشهير بها على منصات الإعلام الرقمي، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو غيرها؟

يحرم شرعًا اقتحام الحياة الخاصة للغير دون علمهم، وكشف الستر عنها بأي طريقة كانت: كتصويرهم،  أو التلصّص البصري عليهم، أو استراق السمع، أو غير ذلك من الطرق، ونشرها على منصات الإعلام الرقمي، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو غير ذلك، وكلّ ذلك يُعَدُّ تتبعًا للعورات التي يجب سترها، وانتهاكًا للحُرُمات التي يجب صونها، بالإضافة إلى أنها أفعالٌ مستقبحةٌ لدى العقلاء عرفًا، ومحظورةٌ قانونًا.

وعلى الإنسان أن ينأى بنفسه عن الوقوع في هذه المُهْلِكَات؛ أمانًا له، وصونًا لمجتمعه ووطنه.

التفاصيل ....

إنَّ مواكبة التقدم العلمي والحضاري في جميع المجالات، والاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة في كل ما هو نافع ومفيد، هو من الأمور المحمودة التي ينبغي للمسلم الاستفادة منها بالشكل الذي يتفق مع ضوابط الشريعة الإسلامية، والتي نهت عن كلِّ ما يؤثر بالسلب على الفرد أو المجتمع؛ من التجسس على خصوصية الآخرين، أو تتبع عوراتهم، أو التلصّص عليهم بأي شكل من الأشكال، واستغلال شيء من ذلك بما يؤثر بالسلب على أمن المجتمعات، وتعكير السلامة النفسية لأفرادها، والنيل من قيمها الأخلاقية والتربوية.

والأفعال التي ورد السؤال بخصوصها تحصل في الغالب على مستويين:

الأول: الرصد والمتابعة؛ حيث يتمّ ذلك من خلال تعقب الإنسان وتتبعه للآخرين للوقوف على أقوالهم وأفعالهم وما يسترونه من أمورهم ويكرهون أن ينكشف أو يطلع عليه غيرهم دون إذنهم؛ سواء بالتقاط الصور الفوتوغرافية، أو تسجيل المقاطع المرئية، أو التسجيلات الصوتية، أو غير ذلك من الوسائل الحديثة التي يُساء استخدامها من قِبَل البعض.

والثاني: التشهير؛ ويكون ببث ما تمّ الحصول عليه من تلك التفاصيل، وما وقعت عليه الأنظار من عورات؛ إما بطريق المشافهة، أو عن طريق الهاتف، أو بالنشر على منصات الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي؛ ممَّا يتسبب في إحداث الفتن، وإشاعة الأكاذيب في المجتمع.

وكل ذلك من الأمور التي نهى الشرع الشريف عنها:

فأما تتبع عورات الناس وانتهاك حياتهم الخاصة والتلصّص على أحوالهم المستورة وتحسس أفعالهم: فكُلُّها سلوكيات ورد الشرع الشريف بتحريمها والتحذير من الإقدام على فعل شيء منها وإن قُصِدَ منها إنكار المنكر؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]؛ أي: لا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك؛ كما قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (10/ 257، ط. دار الكتب المصرية).

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]؛ أي: ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظهور على عيوبه؛ كما قال الإمام الطبري في "جامع البيان" (22/ 304، ط. مؤسسة الرسالة).

وقد  تَوَعَّدَ الله سبحانه من يتجسس ويتتبع عورة أخيه ليفضحه، بأن جعل عقوبته من جنس عمله؛ فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ؛ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ» أخرجه الإمام أحمد -واللفظ له- وأبو يعلى والروياني والشهاب القضاعي في "المسند"، وأبو داود والبيهقي في "السنن".

قال الإمام التنوخي في "شرحه على متن الرسالة" (2/ 449، ط. دار الكتب العلمية): [ولا يسرق سماعًا، ولا يستنشق رائحة؛ يتوصل بذلك إلى المنكر، ولا يبحث عما أخفى في يده أو ثوبه أو دكانه أو داره؛ فإنَّ السعي في ذلك حرام] اهـ.

وقال الشيخ البكري الدمياطي في "إعانة الطالبين" (4/ 209، ط. دار الفكر): [واعلم أنه ليس بواجب على أحد أن يبحث عن المنكرات المستورة حتى ينكرها إذا رآها، بل ذلك محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾] اهـ.

ولا شك أنَّ تلك السلوكيات: تؤدي -لا محالة- إلى هدم القيم المجتمعية والأخلاقية والحضارية؛ وقد أقامت الشريعة الإسلامية سياجًا مانعًا وقويًّا من الأحكام الشرعية والآداب المرعية للحيلولة دون حدوث شيءٍ من ذلك من خلال الحثّ على التحلي بجميل الصفات من القيم الأخلاقية والتعاليم التربوية الراقية، ونهت عن ارتكاب الأفعال التي تشتمل على معاني التجسس وسوء الظن والانسياق وراء الشائعات والأخبار المكذوبة التي تسبب هدم العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية، وتزيد في التباغض بين الناس؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» متفق عليه.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 481، ط. دار المعرفة): [قوله: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ وذلك أنَّ الشخص يقع له خاطرُ التهمة فيريد أن يتحقق؛ فيتجسس، ويبحث، ويستمع، فنهى عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. فدلّ سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة؛ لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن. فإن قال الظَّانُّ: أبحثُ لأتحقق؟ قيل له: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. فإن قال: تحققتُ من غير تجسس؟ قيل له: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾] اهـ.

بل قد بلغ من عناية الشريعة في حفظ خصوصية الناس ورعاية ما يجب لهم من الستر أن حَرَّمَت صورًا يترتب عليها تتبع العورات؛ منها:

أولًا: غلَّت يد الإنسان عن بعض حقوقه إذا ترتب على إطلاق يده فيها كَشْفَ ستر الآخرين والاطلاع على عوراتهم؛ فمنعت صاحب البيت -مثلًا- من أن يشق في حائطه الملاصق لجاره نافذة ولو صغيرة إذا كان في شقها اختراق لخصوصية هذا الجار.

وفي ذلك يقول العلامة ابن عابدين في "منحة الخالق" (7/ 33، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(ولو فتح صاحب البناء في علو بنائه بابًا أو كوة) قال الرملي: أقول: قال الغزي: وقد أفتى شيخ الإسلام قارئ الهداية لَمَّا سئل: هل يُمْنَع الجار أن يفتح كوة يشرف منها على جاره وعياله؟ فأجاب: بأنه يُمْنَع من ذلك اهـ. وفي "المضمرات" قال: إذا كانت الكوة للنظر، وكانت الساحة محل الجلوس للنساء؛ يُمْنَعُ. وعليه الفتوى] اهـ.

ثانيًا: النهي عن وصف المرأة غيرَها لزوجها؛ لما في ذلك من كشف للعورات، وانتهاك للأستار، وسببٍ لحصول الفتنة، علاوة على الوقوع في الغيبة المنهي عنها شرعًا إن هي وصفتها بما تكره في غيابها؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» أخرجه البخاري في "صحيحه".

قال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (20/ 219، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال القابسي: هذا الحديث من أَبْيَنِ ما يُحمَى به الذرائع؛ فإنِّها إنْ وصفتها لزوجها بحُسنٍ خِيفَ عليه الفتنةُ حتى يكون ذلك سببًا لطلاق زوجته ونكاح تيك إن كانت أَيِّمًا، وإن كانت ذاتَ بعلٍ كان ذلك سببًا لبغض زوجته ونقصان منزلتها عنده، وإن وصفتها بقبح كان ذلك غيبة] اهـ.

ثالثًا: النهي عن التعري وكشف الستر؛ فعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: أقبلْتُ بَحجَرٍ أحمِلُهُ ثقيلٍ، وعَلَيَّ إزارٌ خفيف، قال: فَانْحَلَّ إزاري ومعي الحَجَر لم أستطع أن أضعه حتى بلغتُ به إلى موضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» أخرجه مسلم في "صحيحه".

قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (3/ 433، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [«وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» عمَّ الخطاب بعدما خَصًّ؛ ليفيد أن الحكم عامٌّ لا يختص بواحدٍ دون آخر، فيحرم المشي عريانًا؛ أي: بحيث يراه مَن يَحْرُمُ نظره لعورته] اهـ.

رابعًا: البوح بأسرار الزوجية؛ لما في ذلك من كشف للعورات، وإفساد للقلوب؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» أخرجه مسلم في "صحيحه".

قال الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (10/ 8، ط. دار إحياء التراث العربي): [وفي هذا الحديث: تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه] اهـ.

خامسًا: نهي الشرع عن الدخول إلى البيوت إلا بعد الاستئذان؛ وذلك للحفاظ على عورات ساكنيها من أن يَّطلع عليها أحد، أو ينكشف سترهم؛ حيث قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27].

قال الإمام البغوي في "معالم التنزيل في تفسير القرآن" (3/ 398، ط. دار إحياء التراث العربي): [قيل: معنى قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أي: حتى تستأذنوا] اهـ.

وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (12/ 212): [قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ لمَّا خصص الله سبحانه ابن آدم الذي كَرَّمَهُ وفضَّله بالمنازل وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحَجَر على الخلق أن يطَّلعوا على ما فيها من خارج، أو يلِجُوها من غير إذن أربابها؛ أدَّبهم بما يرجع إلى الستر عليهم؛ لئلا يطَّلع أحدٌ منهم على عورة] اهـ.

وأما التشهير بما تمَّ الحصول عليه من خلال تتبع عورات الآخرين وانتهاك حياتهم الخاصة والتلصّص على أحوالهم وتحسس أفعالهم، وبَثُّهُ أو شيء منه، وجعلُ ذلك عرضة للتداول بين الناس أيًّا كانت الوسيلة إلى ذلك: فإنه يُعدُّ هتكًا لستر الآخرين، وهو فعلٌ محرمٌ شرعًا، وموجب للإثم والعقوبة إن لم يلحقه توبة؛ لحديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَغَى مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ؛ حَبَسَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» أخرجه أحمد في "المسند"، وأبو الشيخ الأصفهاني في "التوبيخ والتنبيه".

وفي رواية: «مَنْ قَفَّا مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ» أخرجها ابن أبي الدنيا في "الصمت"، والطبراني في "المعجم الكبير"، وابن بشران في "أماليه".

وفي رواية أبي داود في "السنن"، وأبي نعيم في "حلية الأولياء"؛ بلفظ: «وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ».

قال العلامة مظهر الدين الزَّيْداني في "المفاتيح في شرح المصابيح" (5/ 242، ط. دار النوادر): [قوله: «مَنْ قَفَّا مُسْلِمًا» أي: من تبع مسلمًا؛ يعني: مَن تجسَّس عن حال مسلم ليُظهر عيبه وليعيّره: حبسه الله على الصراط حتى يَنْقَى مِن ذلك الذنب بإرضاء خصمه أو بالتعذيب] اهـ.

ذلك أنَّ الإنسان مأمورٌ بسترِ حالِ غيرِهِ وغَضِّ الطرْفِ عن فِعلِه، إن هو اطَّلع على شيءٍ من خفيَّاتِهِ، لا بكَشْفِ سِتْرِهِ وهَتْكِ عِرْضِهِ وفَضْحِ أمْرِه؛ وذلك في نحو قولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه. وقولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم لهَزَّالٍ رضي الله عنه حين أمر خادمه ماعزًا رضي الله عنه بأن يخبر عن فعلته ليُقام عليه الحد: «وَيْلَكَ يَا هَزَّالُ! لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ» أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والروياني في "المسند"، والنسائي -واللفظ له- والبيهقي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

حتى إنَّ الشرع الشريف لم يكتف بالأمر بالستر على الآخرين وعدم إشاعة ما ابتُلُوا به، وإنَّما تطرق إلى أن يستر الإنسان على نفسه خطأه، وألَّا يظهر عيبه أو يفضح نفسه إن وقع في معصية أو اقترف إثمًا؛ فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللهِ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِيمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ» أخرجه الإمام مالك في" الموطأ" واللفظ له، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "السنن".

قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (5/ 337، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية): [وفيه أيضًا -أي الحديث- ما يدل على أنَّ السِتْرَ واجبٌ على المسلمِ في خاصةِ نفسهِ إذا أتى فاحشةً] اهـ.

وقال العلامة الجَمَال المَلَطي في "المعتصر من المختصر" (2/ 130، ط. عالم الكتب): [أمر الله تعالى عباده بالستر، وألَّا يكشفوا عنهم ستره الذي سترهم به ممَّا يصيبونه ممَّا قد نهاهم عنه لمَن سواهم من الناس] اهـ.

وقال الإمام ابن رشد في "المقدمات" (3/ 256، ط. دار الغرب الإسلامي): [الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره] اهـ.

وقال الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (5/ 452، ط. دار الكتب العلمية): [ولِكُلِّ مَن ارتكب معصيةً: الستر.. وأما التحدث بها تَفَكُّهًا: فحرامٌ قطعًا] اهـ.

هذا، وقد رتَّب القانون المصري العقوبة جزاء الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة للآخرين؛ سواء كان ذلك بالتصنت عليهم، أو بتسجيل محادثاتهم، أو تصويرهم، أو نقل صورهم الخاصة بغير إذنهم، أيًّا كانت الوسيلة المتبعة لذلك؛ كما في المادة (309) مكررًا من قانون العقوبات المصري الصادر برقم 58 لسنة 1937م، وفقًا لآخر تعديلاته الصادرة في 20 نوفمبر سنة 2021م؛ حيث نصت على أنه: [يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل مَن اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن؛ وذلك بأن ارتكب أحدَ الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضاء المجني عليه:

(أ) استرق السمع أو سجَّل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه محادثاتٍ جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون.

(ب) التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه صورة شخص في مكان خاص] اهـ.

كما نصَّت المادة رقم (309) مكررًا (أ) من نفس القانون، على أنه: [يعاقب بالحبس كُلُّ مَن أذاع، أو سهَّل إذاعة، أو استعمل ولو في غير علانية تسجيلًا أو مستندًا متحصلًا عليه بإحدى الطرق المبينة بالمادة السابقة، أو كان ذلك بغير رضاء صاحب الشأن، ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل مَن هدَّد بإفشاء أمرٍ من الأمور التي تمَّ التحصل عليها بإحدى الطرق المشار إليها لحمل شخص على القيام بعمل أو الامتناع عنه] اهـ.

وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنَّ إقدام بعض الأفراد على اقتحام الحياة الخاصة للغير دون علمهم، وكشف الستر عنها بطرق مختلفة؛ مثل: تصويرهم بأدوات التقنية الحديثة، أو التلصّص البصري، أو استراق السمع، أو غير ذلك من الطرق، ونشرها على منصات الإعلام الرقمي، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو غير ذلك؛ يُعَدُّ تتبعًا للعورات الواجب سترها، وانتهاكًا للحُرُمات الواجب صونها، وفضحًا للمستورات الواجب حفظها، وكلها أفعالٌ مستقبحةٌ لدى العقلاء عرفًا، ومحرمةٌ شرعًا، ومحظورةٌ قانونًا، وموجبةٌ للإثم والعقوبة الرادعة؛ وعلى الإنسان أن ينأى بنفسه عن الوقوع في هذه المُهْلِكَات؛ أمانًا له، وصونًا لمجتمعه ووطنه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;