صرف جمعية خيرية من أموال الزكاة والصدقات على أنشطتها

يقول السائل: هناك اتحاد خيري تتكوَّن مواردُهُ من التبرعات المالية، وزكاة الأموال، والتبرعات العينية، ويتحمل مصروفات القائمين على إدارة نشاطه، وكلّ احتياجاته؛ ويطلب بيان الحكم الشرعي فيما يلي:
1- ما هي أوجه إنفاق التبرعات النقدية التي تَرد للاتحاد؟
2- ما هي نسبة المصروفات الإدارية التي تخصم من هذه التبرعات، وهل يحسب ضمن هذه النسبة إيجارات المقرات، ورسوم استهلاك الكهرباء والمياه والضرائب المقررة للدولة؟
3- هل تدفع رواتب العاملين من الزكاة إذا لم تتسع لذلك أموال الصدقات؟
4- هل يدخل ما يصرفه الاتحاد على ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن التبرعات المقررة أو ضمن المصروفات الإدارية؟
5- كيف يمكن التعامل مع نية المتبرع؟ وهل للاتحاد مطلق الحرية في أن يتصرف وفقًا للمناطق الأشد احتياجًا أو يتقيد بهذه النوايا؟

 فيما يخص أوجه إنفاق التبرعات النقدية التي تَرد لهذا الاتحاد الخيري؛ فإنَّه يُعد وكيلا عن المتبرعين في التصرف فيما يرد إليه من أموال، فإذا حدَّد المتبرع الجهة التي يصل إليها ماله وجب الالتزام بها، أما إذا لم يحدِّد جهة معينة فإنه يجوز للاتحاد التصرفُ بما يُحقق المصلحة.
أما عن احتساب نسبة المصروفات الإدارية التي تُخْصَم من هذه التبرعات، فإنه يتم خصمها من أموال الصدقات، ولا يجوز خصمها من أموال الزكاة، ويدخل في ذلك إيجار المقرات، ورسوم استهلاك الكهرباء، والمياه، والضرائب المقررة للدولة.
وأما بخصوص دفع رواتب العاملين فأنها تُؤْخَذ من أموال الصدقات؛ للحفاظ على أن تصل أموال الزكاة لأكثر الفئات استحقاقًا، فإن لم تتَّسع أموال الصدقات لذلك، فإنه يجوز صرف رواتبهم من الزكاة؛ وذلك كأجرة أمثالهم.
أما عن الجهة التي يُحتسب منها الصرف على ذوي الاحتياجات الخاصة من غير القادرين، فإنَّه يجوز احتساب ذلك من أموال الزكاة أو الصدقات؛ وذلك لما اجتمع على أصحاب الاحتياجات الخاصة من جانبي الضعف؛ الفقر والإعاقة، فكانوا بذلك من أولى مصارف الزكاة.
وأما عن تقيُّد الاتحاد في تعامله بنوايا المتبرعين، فإنه يتقيَّد بنية المتبرع إلَّا أن يطلب من المتبرع إعطاءه الأحقية في التصرف بغير ذلك إذا اقتضت المصلحة صرف التبرع فيما هو أشد احتياجًا.

التفاصيل ....

 حدد الإسلام مصارف الزكاة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]، أي أنها لِبِناء الإنسان قبل البُنيان؛ فكِفاية الفقراء والمحتاجين مِن المَلْبَسِ والمَأكلِ والمَسْكَنِ والمعيشةِ والتعليمِ والعلاجِ وسائرِ أمورِ حياتِهم هي التي يجب أن تكون مَحَطَّ الاهتمام في المقام الأول؛ تحقيقًا لحكمة الزكاة الأساسية التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» متفق عليه.
وهذا يَدخل فيه علاجُ المرضى غيرِ القادرين والصرفُ منه على الخدمة الطبية التي يحتاجونها وتوفير الدواء لَهُم دخولًا أوَّليًّا، ولذا فإنه يجوز الصرف من أموال الزكاة والصدقات لإغاثة المنكوبين، والارتفاع بمستوى الخدمات الصحية، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة بما يكفل تأهيلهم وتمكينهم من العيش في حياة كريمة.
والذي تنصح به دارُ الإفتاء الناسَ أن يبادروا إلى التبرع لمثل هذا الاتحاد الخيري الذي يعمل على إغاثة المنكوبين، وتخفيف فرط الألم عن المرضى؛ مصداقًا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» رواه الإمام البيهقي في "سننه".
وأن يُنشأ كذلك صناديق ثلاثة:
الصندوق الأول: يكون للوقف؛ فيوقِف فيه الناسُ أموالَهم ويجعلون ريعها وثمرتها لصالح هذا الاتحاد، ويصرف منه على ما يضمن بقاء الاتحاد قائمًا بعمله من دفع إيجار المقرَّات ورسوم الكهرباء والمياه والضرائب المقررة وما يشبه ذلك.
والصندوق الثاني: يكون للصدقات؛ ويُصَرف منه على رواتب العاملين القائمين على أمر الاتحاد.
والصندوق الثالث: يكون للزكاة؛ ويُصرَف منه على إغاثة المنكوبين، والارتقاء بصحة المرضى، ودعم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.
وفيما يخص أوجه إنفاق التبرعات النقدية التي تَرد للاتحاد:
فإن الأصل أن هذا الاتحاد وكيل عن المتبرع في التصرف فيما يرد إليه من أموال، والوكيل لا يتصرف إلا في حدود ما أذن له فيه مُوكِّله، فإذا حدَّد المتبرع الجهة التي يصل إليها ماله وجب الالتزام بها، أمَّا إذا لم يُحدّد جهة معينة فإنه يجوز للاتحاد التصرفُ بما تقتضيه المصلحة.
وإن كانت أموال المتبرع من زكاة ماله، وجب أن تُصْرَف في الأوجه التي يجوز فيها الصرف من أموال الزكاة، وهي المُبَيَّنة في الصندوق المقترح إعداده لأموال الزكاة، وإن كانت من الصدقات ولم تُحَدِّد الجهة التي تُصْرَف فيها، صُرِفَت في الأوجه المعتبرة لصرف الصدقات فيها، والصدقات أمرها واسع بحيث يدخل فيها جميع أوجه الخير والنفع، وإن تبرع المتبرع بنية الوقف صرفت أمواله فيما نُصَّ عليه من أوجه الوقف.
قال العلامة ابن نجيم الحنفي في "الأشباه والنظائر" (1/ 163، ط. دار الكتب العلمية): [شرط الواقف يجب اتباعه؛ لقولهم: شرط الواقف كنص الشارع؛ أي: في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (4/ 366، ط. دار الفكر): [قولهم: شرط الواقف كنص الشارع؛ أي: في المفهوم والدلالة، ووجوب العمل به] اهـ.
وقال الإمام ابن الحاجب المالكي في "جامع الأمهات" (ص: 450، ط. اليمامة): [ومهما شرط الواقف ما يجوز له اتبع؛ كتخصيص مدرسة أو رباط أو أصحاب مذهب بعينه] اهـ.
وقال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي في "الإقناع" (3/ 253، ط. دار الفكر): [مبنى الوقف على اتباع شرط الواقف] اهـ، وقال مُحَشِّيه العلامة البجيرمي: [شرط الواقف كنص الشارع] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (5/ 377، دار إحياء التراث العربي): [مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف] اهـ.
أما عن احتساب نسبة المصروفات الإدارية التي تخصم من هذه التبرعات:
فعلى الاتحاد أن يقوم بحساب ما يتكلَّفه من مصروفات إدارية ممَّا يلزم منه بقاء الاتحاد قائمًا بعمله، ويتمّ خصمها من أموال الصدقات، ولا يجوز خصمها من أموال الزكاة؛ لأنَّها محددة المصارف بنصّ الشرع الشريف، ويدخل في ذلك إيجار المقرات، ورسوم استهلاك الكهرباء، والمياه، والضرائب المقررة للدولة.
وأمَّا بخصوص دفع رواتب العاملين من الزكاة إذا لم تتَّسع لذلك أموال الصدقات:
فقد جعل الشرع الشريف العاملين على الزكاة مصرفًا من مصارفها؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60]، غير أنَّه يُرَاعى أن لا يؤثر ذلك على الغرض الأساسي الذي من أجله أُنشئ الاتحاد؛ ولذلك فرواتب العاملين في مثل هذا الاتحاد الخيري ينبغي أن تُؤخَذ من أموال الصدقات؛ للحفاظ على أن تصل أموال الزكاة لأكثر الفئات استحقاقًا، فإن لم تتَّسع أموال الصدقات لذلك، فإنه يجوز صرف رواتبهم من الزكاة وذلك بمقدار ما يقوم به أمثالهم، ومِن الفقهاء مَن جعل ذلك في حدود الثمُن؛ حذرًا من أن تستغرق أجرتُهم الزكاة.
أما اعتبارهم ممَّن يستحق التبرع: فهذا يرجع إلى حالهم، ومدى دخولهم فيمن يشملهم الاتحاد بالرعاية وسد الحاجة.
قال الإمام القدوري الحنفي في "التجريد" (8/ 4209، ط. دار السلام): [إنه لَمّا علق الاستحقاق بعملهم نبَّه أنَّ ذلك عوض وليس بصدقة؛ ولهذا يتقدر بإجماع، فلا تدفع إليهم الزيادة على أجرتهم] اهـ.
وقال الإمام السرخسي في "المبسوط" (3/ 9، ط. دار المعرفة): [﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: وهم الذين يستعملهم الإمام على جمع الصدقات ويعطيهم ممَّا يجمعون كفايتهم وكفاية أعوانهم، ولا يقدر ذلك بالثُمن عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله تعالى؛ لأنهم لما فرغوا أنفسهم لعمل الفقراء كانت كفايتهم في مالهم، ولهذا يأخذون مع الغنى، ولو هلك ما جمعوه قبل أن يأخذوا منه شيئًا سقط حقهم] اهـ.
وقال العلامة الخزرجي الحنفي في "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب" (1/ 377، ط. دار القلم): [ولا نعلم خلافًا بين الفقهاء أنهم لا يعطون الثمن وأنهم يستحقون منها بقدر عملهم، فوجب فساد قول مَن ذهب إلى خلاف هذا] اهـ.
وقال الإمام ابن الجلاب المالكي في "التفريع في فقه الإمام مالك" (1/ 166، ط. دار الكتب العلمية): [﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: جباة الصدقة وسعاتها تُدفَع إليهم أجرة معلومة منها بقدر عملهم. ولا يجوز أن يستأجروا بجزء منها للجهالة بقدرها] اهـ.
وقال الإمام اللخمي المالكي في "التبصرة" (3/ 970، ط. وزارة الأوقاف المغربية): [﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم الذين يُسْتَعْمَلُون على جمع الزكاة، فيُعْطَى أجرته بقدر سعيه وتعبه، وما تكلّف من القرب والبعد] اهـ.
وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي في "نهاية المطلب في دراية المذهب" (11/ 548، ط. دار المنهاج): [قال سبحانه: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، فأثبت للعامل سهمًا في الصدقات، والعامل: الساعي الذي يجبي الصدقات، ومنهم الحُسّاب والكتّاب، ومن لا بدّ من استعماله؛ لأنَّ الساعي لا يستقلّ بذلك. فإن كان ثُمن الصدقة مثل أجور أمثالهم من غير زيادة ولا نقصان فلا كلام، وإن فضل عن أجورهم شيء فهو مردودٌ على بقية الأصناف، ولو نقص عن أجورهم، فلا بد من تكميلها] اهـ.
وقال العلامة الماوردي الشافعي في "الإقناع" (ص: 71، ط. دار إحسان): [﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم: المتولّون جبايتها وتفريقها؛ فيدفع إليهم منها قدر أجور أمثالهم] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "الكافي" (1/ 423، ط. دار الكتب العلمية): [إذا تولَّى الإمام القسمة بدأ بالساعي فأعطاه عمالته؛ لأنه يأخذ عوضًا، فكان حقّه آكد ممّن يأخذ مواساة. وللإمام أن يعين أجرة الساعي قبل بعثه، وله أن يبعثه من غير شرط.. فإن عيّن له أجرة دفعها إليه، وإلا دُفِع إليه أجرة مثله] اهـ.
أما عن الجهة التي يحتسب منها الصرف على ذوي الاحتياجات الخاصة من غير القادرين:
فإنه يجوز احتساب ذلك من أموال الزكاة أو الصدقات؛ وذلك لما اجتمع على أصحاب الاحتياجات الخاصة من جانبي الضعف؛ الفقر والإعاقة، فكانوا بذلك من أولى مصارف الزكاة.
وأما عن تقيد الاتحاد في تعامله بنوايا المتبرعين، إذا ما كانت هناك مناطق أشد احتياجًا:
فإنَّ الأصل أن يتقيّد الاتحاد بنية المتبرع ما دام قد حدّد المتبرع نيته بتبرعه، إلا أنْ يطلب الاتحاد من المتبرعين إعطاءه الأحقية في التصرف بما يغاير نيتهم إذا اقتضت المصلحة صرف التبرع فيما هو أشد احتياجًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

صرف جمعية خيرية من أموال الزكاة والصدقات على أنشطتها

يقول السائل: هناك اتحاد خيري تتكوَّن مواردُهُ من التبرعات المالية، وزكاة الأموال، والتبرعات العينية، ويتحمل مصروفات القائمين على إدارة نشاطه، وكلّ احتياجاته؛ ويطلب بيان الحكم الشرعي فيما يلي:
1- ما هي أوجه إنفاق التبرعات النقدية التي تَرد للاتحاد؟
2- ما هي نسبة المصروفات الإدارية التي تخصم من هذه التبرعات، وهل يحسب ضمن هذه النسبة إيجارات المقرات، ورسوم استهلاك الكهرباء والمياه والضرائب المقررة للدولة؟
3- هل تدفع رواتب العاملين من الزكاة إذا لم تتسع لذلك أموال الصدقات؟
4- هل يدخل ما يصرفه الاتحاد على ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن التبرعات المقررة أو ضمن المصروفات الإدارية؟
5- كيف يمكن التعامل مع نية المتبرع؟ وهل للاتحاد مطلق الحرية في أن يتصرف وفقًا للمناطق الأشد احتياجًا أو يتقيد بهذه النوايا؟

 فيما يخص أوجه إنفاق التبرعات النقدية التي تَرد لهذا الاتحاد الخيري؛ فإنَّه يُعد وكيلا عن المتبرعين في التصرف فيما يرد إليه من أموال، فإذا حدَّد المتبرع الجهة التي يصل إليها ماله وجب الالتزام بها، أما إذا لم يحدِّد جهة معينة فإنه يجوز للاتحاد التصرفُ بما يُحقق المصلحة.
أما عن احتساب نسبة المصروفات الإدارية التي تُخْصَم من هذه التبرعات، فإنه يتم خصمها من أموال الصدقات، ولا يجوز خصمها من أموال الزكاة، ويدخل في ذلك إيجار المقرات، ورسوم استهلاك الكهرباء، والمياه، والضرائب المقررة للدولة.
وأما بخصوص دفع رواتب العاملين فأنها تُؤْخَذ من أموال الصدقات؛ للحفاظ على أن تصل أموال الزكاة لأكثر الفئات استحقاقًا، فإن لم تتَّسع أموال الصدقات لذلك، فإنه يجوز صرف رواتبهم من الزكاة؛ وذلك كأجرة أمثالهم.
أما عن الجهة التي يُحتسب منها الصرف على ذوي الاحتياجات الخاصة من غير القادرين، فإنَّه يجوز احتساب ذلك من أموال الزكاة أو الصدقات؛ وذلك لما اجتمع على أصحاب الاحتياجات الخاصة من جانبي الضعف؛ الفقر والإعاقة، فكانوا بذلك من أولى مصارف الزكاة.
وأما عن تقيُّد الاتحاد في تعامله بنوايا المتبرعين، فإنه يتقيَّد بنية المتبرع إلَّا أن يطلب من المتبرع إعطاءه الأحقية في التصرف بغير ذلك إذا اقتضت المصلحة صرف التبرع فيما هو أشد احتياجًا.

التفاصيل ....

 حدد الإسلام مصارف الزكاة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]، أي أنها لِبِناء الإنسان قبل البُنيان؛ فكِفاية الفقراء والمحتاجين مِن المَلْبَسِ والمَأكلِ والمَسْكَنِ والمعيشةِ والتعليمِ والعلاجِ وسائرِ أمورِ حياتِهم هي التي يجب أن تكون مَحَطَّ الاهتمام في المقام الأول؛ تحقيقًا لحكمة الزكاة الأساسية التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» متفق عليه.
وهذا يَدخل فيه علاجُ المرضى غيرِ القادرين والصرفُ منه على الخدمة الطبية التي يحتاجونها وتوفير الدواء لَهُم دخولًا أوَّليًّا، ولذا فإنه يجوز الصرف من أموال الزكاة والصدقات لإغاثة المنكوبين، والارتفاع بمستوى الخدمات الصحية، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة بما يكفل تأهيلهم وتمكينهم من العيش في حياة كريمة.
والذي تنصح به دارُ الإفتاء الناسَ أن يبادروا إلى التبرع لمثل هذا الاتحاد الخيري الذي يعمل على إغاثة المنكوبين، وتخفيف فرط الألم عن المرضى؛ مصداقًا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» رواه الإمام البيهقي في "سننه".
وأن يُنشأ كذلك صناديق ثلاثة:
الصندوق الأول: يكون للوقف؛ فيوقِف فيه الناسُ أموالَهم ويجعلون ريعها وثمرتها لصالح هذا الاتحاد، ويصرف منه على ما يضمن بقاء الاتحاد قائمًا بعمله من دفع إيجار المقرَّات ورسوم الكهرباء والمياه والضرائب المقررة وما يشبه ذلك.
والصندوق الثاني: يكون للصدقات؛ ويُصَرف منه على رواتب العاملين القائمين على أمر الاتحاد.
والصندوق الثالث: يكون للزكاة؛ ويُصرَف منه على إغاثة المنكوبين، والارتقاء بصحة المرضى، ودعم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.
وفيما يخص أوجه إنفاق التبرعات النقدية التي تَرد للاتحاد:
فإن الأصل أن هذا الاتحاد وكيل عن المتبرع في التصرف فيما يرد إليه من أموال، والوكيل لا يتصرف إلا في حدود ما أذن له فيه مُوكِّله، فإذا حدَّد المتبرع الجهة التي يصل إليها ماله وجب الالتزام بها، أمَّا إذا لم يُحدّد جهة معينة فإنه يجوز للاتحاد التصرفُ بما تقتضيه المصلحة.
وإن كانت أموال المتبرع من زكاة ماله، وجب أن تُصْرَف في الأوجه التي يجوز فيها الصرف من أموال الزكاة، وهي المُبَيَّنة في الصندوق المقترح إعداده لأموال الزكاة، وإن كانت من الصدقات ولم تُحَدِّد الجهة التي تُصْرَف فيها، صُرِفَت في الأوجه المعتبرة لصرف الصدقات فيها، والصدقات أمرها واسع بحيث يدخل فيها جميع أوجه الخير والنفع، وإن تبرع المتبرع بنية الوقف صرفت أمواله فيما نُصَّ عليه من أوجه الوقف.
قال العلامة ابن نجيم الحنفي في "الأشباه والنظائر" (1/ 163، ط. دار الكتب العلمية): [شرط الواقف يجب اتباعه؛ لقولهم: شرط الواقف كنص الشارع؛ أي: في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (4/ 366، ط. دار الفكر): [قولهم: شرط الواقف كنص الشارع؛ أي: في المفهوم والدلالة، ووجوب العمل به] اهـ.
وقال الإمام ابن الحاجب المالكي في "جامع الأمهات" (ص: 450، ط. اليمامة): [ومهما شرط الواقف ما يجوز له اتبع؛ كتخصيص مدرسة أو رباط أو أصحاب مذهب بعينه] اهـ.
وقال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي في "الإقناع" (3/ 253، ط. دار الفكر): [مبنى الوقف على اتباع شرط الواقف] اهـ، وقال مُحَشِّيه العلامة البجيرمي: [شرط الواقف كنص الشارع] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (5/ 377، دار إحياء التراث العربي): [مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف] اهـ.
أما عن احتساب نسبة المصروفات الإدارية التي تخصم من هذه التبرعات:
فعلى الاتحاد أن يقوم بحساب ما يتكلَّفه من مصروفات إدارية ممَّا يلزم منه بقاء الاتحاد قائمًا بعمله، ويتمّ خصمها من أموال الصدقات، ولا يجوز خصمها من أموال الزكاة؛ لأنَّها محددة المصارف بنصّ الشرع الشريف، ويدخل في ذلك إيجار المقرات، ورسوم استهلاك الكهرباء، والمياه، والضرائب المقررة للدولة.
وأمَّا بخصوص دفع رواتب العاملين من الزكاة إذا لم تتَّسع لذلك أموال الصدقات:
فقد جعل الشرع الشريف العاملين على الزكاة مصرفًا من مصارفها؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60]، غير أنَّه يُرَاعى أن لا يؤثر ذلك على الغرض الأساسي الذي من أجله أُنشئ الاتحاد؛ ولذلك فرواتب العاملين في مثل هذا الاتحاد الخيري ينبغي أن تُؤخَذ من أموال الصدقات؛ للحفاظ على أن تصل أموال الزكاة لأكثر الفئات استحقاقًا، فإن لم تتَّسع أموال الصدقات لذلك، فإنه يجوز صرف رواتبهم من الزكاة وذلك بمقدار ما يقوم به أمثالهم، ومِن الفقهاء مَن جعل ذلك في حدود الثمُن؛ حذرًا من أن تستغرق أجرتُهم الزكاة.
أما اعتبارهم ممَّن يستحق التبرع: فهذا يرجع إلى حالهم، ومدى دخولهم فيمن يشملهم الاتحاد بالرعاية وسد الحاجة.
قال الإمام القدوري الحنفي في "التجريد" (8/ 4209، ط. دار السلام): [إنه لَمّا علق الاستحقاق بعملهم نبَّه أنَّ ذلك عوض وليس بصدقة؛ ولهذا يتقدر بإجماع، فلا تدفع إليهم الزيادة على أجرتهم] اهـ.
وقال الإمام السرخسي في "المبسوط" (3/ 9، ط. دار المعرفة): [﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: وهم الذين يستعملهم الإمام على جمع الصدقات ويعطيهم ممَّا يجمعون كفايتهم وكفاية أعوانهم، ولا يقدر ذلك بالثُمن عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله تعالى؛ لأنهم لما فرغوا أنفسهم لعمل الفقراء كانت كفايتهم في مالهم، ولهذا يأخذون مع الغنى، ولو هلك ما جمعوه قبل أن يأخذوا منه شيئًا سقط حقهم] اهـ.
وقال العلامة الخزرجي الحنفي في "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب" (1/ 377، ط. دار القلم): [ولا نعلم خلافًا بين الفقهاء أنهم لا يعطون الثمن وأنهم يستحقون منها بقدر عملهم، فوجب فساد قول مَن ذهب إلى خلاف هذا] اهـ.
وقال الإمام ابن الجلاب المالكي في "التفريع في فقه الإمام مالك" (1/ 166، ط. دار الكتب العلمية): [﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: جباة الصدقة وسعاتها تُدفَع إليهم أجرة معلومة منها بقدر عملهم. ولا يجوز أن يستأجروا بجزء منها للجهالة بقدرها] اهـ.
وقال الإمام اللخمي المالكي في "التبصرة" (3/ 970، ط. وزارة الأوقاف المغربية): [﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم الذين يُسْتَعْمَلُون على جمع الزكاة، فيُعْطَى أجرته بقدر سعيه وتعبه، وما تكلّف من القرب والبعد] اهـ.
وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي في "نهاية المطلب في دراية المذهب" (11/ 548، ط. دار المنهاج): [قال سبحانه: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، فأثبت للعامل سهمًا في الصدقات، والعامل: الساعي الذي يجبي الصدقات، ومنهم الحُسّاب والكتّاب، ومن لا بدّ من استعماله؛ لأنَّ الساعي لا يستقلّ بذلك. فإن كان ثُمن الصدقة مثل أجور أمثالهم من غير زيادة ولا نقصان فلا كلام، وإن فضل عن أجورهم شيء فهو مردودٌ على بقية الأصناف، ولو نقص عن أجورهم، فلا بد من تكميلها] اهـ.
وقال العلامة الماوردي الشافعي في "الإقناع" (ص: 71، ط. دار إحسان): [﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم: المتولّون جبايتها وتفريقها؛ فيدفع إليهم منها قدر أجور أمثالهم] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "الكافي" (1/ 423، ط. دار الكتب العلمية): [إذا تولَّى الإمام القسمة بدأ بالساعي فأعطاه عمالته؛ لأنه يأخذ عوضًا، فكان حقّه آكد ممّن يأخذ مواساة. وللإمام أن يعين أجرة الساعي قبل بعثه، وله أن يبعثه من غير شرط.. فإن عيّن له أجرة دفعها إليه، وإلا دُفِع إليه أجرة مثله] اهـ.
أما عن الجهة التي يحتسب منها الصرف على ذوي الاحتياجات الخاصة من غير القادرين:
فإنه يجوز احتساب ذلك من أموال الزكاة أو الصدقات؛ وذلك لما اجتمع على أصحاب الاحتياجات الخاصة من جانبي الضعف؛ الفقر والإعاقة، فكانوا بذلك من أولى مصارف الزكاة.
وأما عن تقيد الاتحاد في تعامله بنوايا المتبرعين، إذا ما كانت هناك مناطق أشد احتياجًا:
فإنَّ الأصل أن يتقيّد الاتحاد بنية المتبرع ما دام قد حدّد المتبرع نيته بتبرعه، إلا أنْ يطلب الاتحاد من المتبرعين إعطاءه الأحقية في التصرف بما يغاير نيتهم إذا اقتضت المصلحة صرف التبرع فيما هو أشد احتياجًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;