حكم التسبيح وقراءة القرآن عند دفن الميت وهبة ثواب هذه الأعمال له

يقول السائل: اعتاد أهل القرية أثناء دفن الموتى، وعند إهالة التراب أن يقولوا: "سبحان الله وبحمده"، وذلك بدلًا من كثرة اللغو في الحديث أثناء دفن الميت، وبعد ذلك يقرأ الجميع آخر سورة البقرة ثم يدعون لميتهم وينصرفون، حتى ظهر أحد الشباب الذي يدّعي أن ذلك مخالف للسنة؛ فهل التسبيح عند دفن الميت مخالف للسنة؟ وما حكم هبة ثواب التسبيح وقراءة القرآن للميت؟ وهل من يفعل ذلك آثم ومبتدع؟ 

 المشروع في حقّ مَن يحضر دفن الميت الاشتغال بالدعاء له وقراءة القرآن عنده، وفي معناه كلُّ ذكر مشروع كالتسبيح والتهليل.
وقراءة القرآن الكريم في المسجد وعند القبر قبل الدفن وأثناءه وبعده مستحبة، والمعتمد عند أصحاب المذاهب المتبوعة على أنَّ الذكر والدعاء وغيرهما من الأعمال الصالحة تنفع الميت ويصل إليه ثوابها، وقد جرى عمل المسلمين بذلك جيلًا بعد جيل وخلفًا عن سلف من غير نكير
ولا يصحُّ تبْديعُ من يفعل ذلك ولا اتهامه بالفسق؛ فإنَّ أمر الذكر والدعاء على السعة والإطلاق.

التفاصيل ....

 أولًا: من السُّنة أن يقفَ المشيعون للجنازة عند القبر ساعةً بعد دفن الميت والدعاء له؛ لِما رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن عثمان رضي الله عنه قال: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا فَرَغَ مِن دَفنِ المَيِّتِ وَقَفَ عليه فقالَ: «استَغفِرُوا لأَخِيكُم وسَلُوا لَه التَّثبِيتَ؛ فإِنَّه الآنَ يُسأَلُ».
وروى الإمام مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: "إِذَا دَفَنتُمُونِي فَشُنُّوا عليَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُم أَقِيمُوا حَولَ قَبرِي قَدرَ ما تُنحَرُ جَزُورٌ ويُقسمُ لَحمُها حتى أَستَأنِسَ بِكم وأَنظُرَ ماذا أُراجِعُ به رُسُلَ رَبِّي"، وذلك إنما يكون بعد الدفن.
ولا بأسَ أن يسبقَ الدعاءَ موعظةٌ موجزةٌ تذكر بالموت والدار الآخرة؛ لِما في ذلك مِن ترقيق القلوب، وتهيئتها للتضرع إلى الله تعالى، وجمع الهمة في الدعاء؛ فعن علي كرم الله وجهه قال: كُنَّا في جنازةٍ في بَقِيعِ الغَرقَدِ، فأَتانا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فقَعَدَ وقَعَدنا حَولَه، ومَعَه مِخصَرةٌ، فـنَكَّسَ، فجَعَلَ يَنكُتُ بمِخصَرَتِه، ثُم قالَ: «مَا مِنكُمْ مِن أَحَدٍ، مَا مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ إلا كُتِبَ مَكانُهَا مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإلَّا قد كُتِبَ شَقِيّةً أو سَعِيدةً»، فقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتابِنَا؟ فقال: «اعمَلُوا؛ فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» متفق عليه. وقد بَوَّبَ على ذلك البخاري في "صحيحه" بقوله: (باب مَوعِظةِ المُحَدِّثِ عندَ القَبرِ وقُعُودِ أَصحابِه حَولَه).
قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 161، ط. دار الفكر): [ويستحب أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعة قدر ما يُنحَر جَزُورٌ ويُقَسَّم لحمُها، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن، والدعاء للميت، والوعظ، وحكايات أهل الخير، وأحوال الصالحين.
قال الشافعي والأصحاب: يُستَحَبُّ أن يقرؤوا عنده شيئًا مِن القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآنَ كلَّه كان حسنًا] اهـ.
وعلى ذلك: فالمشروع في حق مَن يحضر دفن الميت الاشتغال بالدعاء له وقراءة القرآن عنده، وفي معناه كل ذكر مشروع كالتسبيح والتهليل، ولا يصحُّ تبْديعُ فاعلِ ذلك ولا تفسيقُه؛ فإنَّ أمر الذكر والدعاء على السعة والإطلاق.
ثانيًا: وأمَّا عن هبة ثواب التسبيح وقراءة القرآن للمتوفى: فقد جاء الأمر الشرعي بقراءة القرآن الكريم على جهة الإطلاق، ومن المقرَّر أنَّ الأمر المطلق يقتضي عموم الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال؛ فلا يجوزُ تقييدُ هذا الإطلاق إلا بدليل، وإلا كان ذلك ابتداعًا في الدين بتضييق ما وسَّعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلى ذلك: فقراءة القرآن الكريم في المسجد وعند القبر قبل الدفن وأثناءه وبعده مشروعة ابتداءً بعموم النصوص الدالة على مشروعية قراءة القرآن الكريم، بالإضافة إلى ورودِ أحاديثَ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآثارٍ كثيرة عن السلف الصالح في خصوص ذلك؛ ذكرها الإمام أبو بكر الخلَّال الحنبلي [ت: 311هـ] في جزء "القراءة على القبور" من كتاب "الجامع"، ومثلُه الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزءٍ أَلَّفه في هذه المسألة، والإمام القرطبي المالكي [ت: 671هـ] في كتابه "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، والحافظ السيوطي الشافعي [ت: 911هـ] في "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور"، والحافظ السيد عبد الله بن الصِّدِّيق الغماري [ت: 1413هـ] في كتابه "توضيح البيان لوصول ثواب القرآن"، وغيرهم ممَّن صنّف في هذه المسألة.
فمن الأحاديثِ الصحيحة الصريحة في ذلك:
ما رواه عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجْلاجِ عن أبيه، قال: قال لي أبي -اللَّجْلاجُ أبو خالد- : يا بُنَيَّ! إذا أنا متُّ فأَلْحِدْني، فإذا وضَعْتَني في لحدي فقل: بسم الله، وعلى ملَّة رسول الله، ثم سُنَّ عليَّ التراب سنًّا -أي ضَعْه وضعًا سهلًا- ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها؛ فإني سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولُ ذلك. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"، قال الهيثمي: ورجاله موثوقون.
وقد رُوي هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنهما. كما أخرجه الخلَّال في جزء "القراءة على القبور" والبيهقي في "السنن الكبرى" وغيرهما، وحسَّنه الإمامان النووي وابن حجر.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ» أخرجه الطبراني، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وإسناده حسن كما قال الحافظ في "الفتح"، وفي رواية «بِفَاتِحَةِ البَقَرَة» بدلًا من «بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
وفي المسألة أحاديثُ أخرى، لكنها واهية الأسانيد:
منها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ، وقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الصمد: 1] إِحْدَى عَشْرةَ مَرَّة، ثم وَهَبَ أَجْرَه الأَمْواتَ أُعْطِي من الأَجْرِ بِعَدَد الأَمْواتِ» خرَّجه الخلَّال في "القراءة على القبور" والسمرقندي في "فضائل قل هو الله أحد" والسِّلَفِي.
ومنها حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» خرَّجه عبد العزيز صاحب الخلَّال.
قال الحافظ شمس الدين المقدسي الحنبلي في "جزئه" الذي ألَّفه في هذه المسألة: [وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة، فمجموعها يدلُّ على أن لذلك أصلًا، وأن المسلمين ما زالوا في كل مصرٍ وعصرٍ يجتمعون ويقرؤون لموتاهم من غير نكير؛ فكان إجماعًا] اهـ. انظر: "تحفة الأحوذي" (3/ 275، ط. دار الكتب العلمية).
واستدلَّ العلماء على قراءة القرآن عند القبر أيضًا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ. ثُمَّ قَالَ: بَلَى؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» متفق عليه.
قال الإمام الخطابي: [فيه دليلٌ على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور؛ لأنه إذا كان يُرْجَى عن الميت التخفيفُ بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن العظيم أكبرُ رجاءً وبركة] اهـ. انظر: "عمدة القاري" (3/ 118، ط. دار إحياء التراث العربي).
وقال الإمام القرطبي في "التذكرة" (ص: 275-276، ط. دار المنهاج): [وقد استدلَّ بعضُ علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث العسيب الرطب الذي شقَّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم باثنين، قالوا: ويُستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خُفِّفَ عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟! ولهذا استحب العلماء زيارة القبور؛ لأن القراءة تُحْفَةُ الميت من زائره] اهـ.
وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" (3/ 202، ط. دار إحياء التراث العربي): [واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان يُرجى التخفيفُ بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أولى، والله أعلم] اهـ.
وقد صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجنازة على القبر غير مرَّة كما جاء في "الصحيحين" وغيرهما، والصلاةُ مشتملةٌ على قراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذكر والدعاء، وما جاز كله جاز بعضه.
كما أخذ العلماء وصولَ ثواب القراءة إلى الميت من جواز الحج عنه ووصول ثوابه إليه؛ لأنَّ الحجَّ يشتملُ على الصلاة، والصلاة تقرأ فيها الفاتحة وغيرها، وما وصل كله وصل بعضه، وهذا المعنى الأخير وإن نازع فيه بعضهم إلا أن أحدًا من العلماء لم يختلف في أن القارئ إذا دعا الله تعالى أن يهب للميت مثل ثواب قراءته، فإن ذلك يصلُ إليه بإذن الله؛ لأنَّ الكريمَ إذا سُئِل أعطَى وإذا دُعِيَ أجاب.
وعلى ذلك جرى عمل المسلمين جيلًا بعد جيل وخلفًا عن سلف من غير نكير، وهذا هو المعتمد عند أصحاب المذاهب المتبوعة، حتى نقل الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي الإجماع على ذلك كما سبق، ونقله أيضًا الشيخ العثماني في كتابه "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة" (ص: 60، ط. دار الكتب العلمية)، ونص عبارته في ذلك: [وأجمعوا على أنَّ الاستغفارَ والدعاء والصدقة والحج والعتق تنفع الميت ويصل إليه ثوابه، وقراءة القرآن عند القبر مستحبة] اهـ.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم التسبيح وقراءة القرآن عند دفن الميت وهبة ثواب هذه الأعمال له

يقول السائل: اعتاد أهل القرية أثناء دفن الموتى، وعند إهالة التراب أن يقولوا: "سبحان الله وبحمده"، وذلك بدلًا من كثرة اللغو في الحديث أثناء دفن الميت، وبعد ذلك يقرأ الجميع آخر سورة البقرة ثم يدعون لميتهم وينصرفون، حتى ظهر أحد الشباب الذي يدّعي أن ذلك مخالف للسنة؛ فهل التسبيح عند دفن الميت مخالف للسنة؟ وما حكم هبة ثواب التسبيح وقراءة القرآن للميت؟ وهل من يفعل ذلك آثم ومبتدع؟ 

 المشروع في حقّ مَن يحضر دفن الميت الاشتغال بالدعاء له وقراءة القرآن عنده، وفي معناه كلُّ ذكر مشروع كالتسبيح والتهليل.
وقراءة القرآن الكريم في المسجد وعند القبر قبل الدفن وأثناءه وبعده مستحبة، والمعتمد عند أصحاب المذاهب المتبوعة على أنَّ الذكر والدعاء وغيرهما من الأعمال الصالحة تنفع الميت ويصل إليه ثوابها، وقد جرى عمل المسلمين بذلك جيلًا بعد جيل وخلفًا عن سلف من غير نكير
ولا يصحُّ تبْديعُ من يفعل ذلك ولا اتهامه بالفسق؛ فإنَّ أمر الذكر والدعاء على السعة والإطلاق.

التفاصيل ....

 أولًا: من السُّنة أن يقفَ المشيعون للجنازة عند القبر ساعةً بعد دفن الميت والدعاء له؛ لِما رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن عثمان رضي الله عنه قال: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا فَرَغَ مِن دَفنِ المَيِّتِ وَقَفَ عليه فقالَ: «استَغفِرُوا لأَخِيكُم وسَلُوا لَه التَّثبِيتَ؛ فإِنَّه الآنَ يُسأَلُ».
وروى الإمام مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: "إِذَا دَفَنتُمُونِي فَشُنُّوا عليَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُم أَقِيمُوا حَولَ قَبرِي قَدرَ ما تُنحَرُ جَزُورٌ ويُقسمُ لَحمُها حتى أَستَأنِسَ بِكم وأَنظُرَ ماذا أُراجِعُ به رُسُلَ رَبِّي"، وذلك إنما يكون بعد الدفن.
ولا بأسَ أن يسبقَ الدعاءَ موعظةٌ موجزةٌ تذكر بالموت والدار الآخرة؛ لِما في ذلك مِن ترقيق القلوب، وتهيئتها للتضرع إلى الله تعالى، وجمع الهمة في الدعاء؛ فعن علي كرم الله وجهه قال: كُنَّا في جنازةٍ في بَقِيعِ الغَرقَدِ، فأَتانا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فقَعَدَ وقَعَدنا حَولَه، ومَعَه مِخصَرةٌ، فـنَكَّسَ، فجَعَلَ يَنكُتُ بمِخصَرَتِه، ثُم قالَ: «مَا مِنكُمْ مِن أَحَدٍ، مَا مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ إلا كُتِبَ مَكانُهَا مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإلَّا قد كُتِبَ شَقِيّةً أو سَعِيدةً»، فقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتابِنَا؟ فقال: «اعمَلُوا؛ فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» متفق عليه. وقد بَوَّبَ على ذلك البخاري في "صحيحه" بقوله: (باب مَوعِظةِ المُحَدِّثِ عندَ القَبرِ وقُعُودِ أَصحابِه حَولَه).
قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 161، ط. دار الفكر): [ويستحب أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعة قدر ما يُنحَر جَزُورٌ ويُقَسَّم لحمُها، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن، والدعاء للميت، والوعظ، وحكايات أهل الخير، وأحوال الصالحين.
قال الشافعي والأصحاب: يُستَحَبُّ أن يقرؤوا عنده شيئًا مِن القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآنَ كلَّه كان حسنًا] اهـ.
وعلى ذلك: فالمشروع في حق مَن يحضر دفن الميت الاشتغال بالدعاء له وقراءة القرآن عنده، وفي معناه كل ذكر مشروع كالتسبيح والتهليل، ولا يصحُّ تبْديعُ فاعلِ ذلك ولا تفسيقُه؛ فإنَّ أمر الذكر والدعاء على السعة والإطلاق.
ثانيًا: وأمَّا عن هبة ثواب التسبيح وقراءة القرآن للمتوفى: فقد جاء الأمر الشرعي بقراءة القرآن الكريم على جهة الإطلاق، ومن المقرَّر أنَّ الأمر المطلق يقتضي عموم الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال؛ فلا يجوزُ تقييدُ هذا الإطلاق إلا بدليل، وإلا كان ذلك ابتداعًا في الدين بتضييق ما وسَّعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلى ذلك: فقراءة القرآن الكريم في المسجد وعند القبر قبل الدفن وأثناءه وبعده مشروعة ابتداءً بعموم النصوص الدالة على مشروعية قراءة القرآن الكريم، بالإضافة إلى ورودِ أحاديثَ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآثارٍ كثيرة عن السلف الصالح في خصوص ذلك؛ ذكرها الإمام أبو بكر الخلَّال الحنبلي [ت: 311هـ] في جزء "القراءة على القبور" من كتاب "الجامع"، ومثلُه الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزءٍ أَلَّفه في هذه المسألة، والإمام القرطبي المالكي [ت: 671هـ] في كتابه "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، والحافظ السيوطي الشافعي [ت: 911هـ] في "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور"، والحافظ السيد عبد الله بن الصِّدِّيق الغماري [ت: 1413هـ] في كتابه "توضيح البيان لوصول ثواب القرآن"، وغيرهم ممَّن صنّف في هذه المسألة.
فمن الأحاديثِ الصحيحة الصريحة في ذلك:
ما رواه عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجْلاجِ عن أبيه، قال: قال لي أبي -اللَّجْلاجُ أبو خالد- : يا بُنَيَّ! إذا أنا متُّ فأَلْحِدْني، فإذا وضَعْتَني في لحدي فقل: بسم الله، وعلى ملَّة رسول الله، ثم سُنَّ عليَّ التراب سنًّا -أي ضَعْه وضعًا سهلًا- ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها؛ فإني سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولُ ذلك. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"، قال الهيثمي: ورجاله موثوقون.
وقد رُوي هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنهما. كما أخرجه الخلَّال في جزء "القراءة على القبور" والبيهقي في "السنن الكبرى" وغيرهما، وحسَّنه الإمامان النووي وابن حجر.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ» أخرجه الطبراني، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وإسناده حسن كما قال الحافظ في "الفتح"، وفي رواية «بِفَاتِحَةِ البَقَرَة» بدلًا من «بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
وفي المسألة أحاديثُ أخرى، لكنها واهية الأسانيد:
منها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ، وقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الصمد: 1] إِحْدَى عَشْرةَ مَرَّة، ثم وَهَبَ أَجْرَه الأَمْواتَ أُعْطِي من الأَجْرِ بِعَدَد الأَمْواتِ» خرَّجه الخلَّال في "القراءة على القبور" والسمرقندي في "فضائل قل هو الله أحد" والسِّلَفِي.
ومنها حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» خرَّجه عبد العزيز صاحب الخلَّال.
قال الحافظ شمس الدين المقدسي الحنبلي في "جزئه" الذي ألَّفه في هذه المسألة: [وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة، فمجموعها يدلُّ على أن لذلك أصلًا، وأن المسلمين ما زالوا في كل مصرٍ وعصرٍ يجتمعون ويقرؤون لموتاهم من غير نكير؛ فكان إجماعًا] اهـ. انظر: "تحفة الأحوذي" (3/ 275، ط. دار الكتب العلمية).
واستدلَّ العلماء على قراءة القرآن عند القبر أيضًا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ. ثُمَّ قَالَ: بَلَى؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» متفق عليه.
قال الإمام الخطابي: [فيه دليلٌ على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور؛ لأنه إذا كان يُرْجَى عن الميت التخفيفُ بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن العظيم أكبرُ رجاءً وبركة] اهـ. انظر: "عمدة القاري" (3/ 118، ط. دار إحياء التراث العربي).
وقال الإمام القرطبي في "التذكرة" (ص: 275-276، ط. دار المنهاج): [وقد استدلَّ بعضُ علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث العسيب الرطب الذي شقَّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم باثنين، قالوا: ويُستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خُفِّفَ عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟! ولهذا استحب العلماء زيارة القبور؛ لأن القراءة تُحْفَةُ الميت من زائره] اهـ.
وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" (3/ 202، ط. دار إحياء التراث العربي): [واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان يُرجى التخفيفُ بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أولى، والله أعلم] اهـ.
وقد صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجنازة على القبر غير مرَّة كما جاء في "الصحيحين" وغيرهما، والصلاةُ مشتملةٌ على قراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذكر والدعاء، وما جاز كله جاز بعضه.
كما أخذ العلماء وصولَ ثواب القراءة إلى الميت من جواز الحج عنه ووصول ثوابه إليه؛ لأنَّ الحجَّ يشتملُ على الصلاة، والصلاة تقرأ فيها الفاتحة وغيرها، وما وصل كله وصل بعضه، وهذا المعنى الأخير وإن نازع فيه بعضهم إلا أن أحدًا من العلماء لم يختلف في أن القارئ إذا دعا الله تعالى أن يهب للميت مثل ثواب قراءته، فإن ذلك يصلُ إليه بإذن الله؛ لأنَّ الكريمَ إذا سُئِل أعطَى وإذا دُعِيَ أجاب.
وعلى ذلك جرى عمل المسلمين جيلًا بعد جيل وخلفًا عن سلف من غير نكير، وهذا هو المعتمد عند أصحاب المذاهب المتبوعة، حتى نقل الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي الإجماع على ذلك كما سبق، ونقله أيضًا الشيخ العثماني في كتابه "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة" (ص: 60، ط. دار الكتب العلمية)، ونص عبارته في ذلك: [وأجمعوا على أنَّ الاستغفارَ والدعاء والصدقة والحج والعتق تنفع الميت ويصل إليه ثوابه، وقراءة القرآن عند القبر مستحبة] اهـ.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;